أحمد بن محمود السيواسي
162
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النور ( 24 ) : آية 11 ] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) نزل في شأن قذفة عائشة رضي اللّه عنها بصفوان « 1 » ، الإفك الافتراء ، والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، وهي خبر « إِنَّ » و « مِنْكُمْ » صفته ( لا تَحْسَبُوهُ ) أي الإفك أيها المقذوفون ( شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) بأن تثابوا ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ) أي من الآفكين وهم عبد اللّه بن أبي وزيد بن رفاعة ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم ( مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ) أي العقوبة بقدر ما شرع فيه ، لأن بعضهم تكلم بالإفك وبعضهم ضحك وبعضهم سكت ولم ينههم ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) أي كبر الإفك والكبر بكسر الكاف وضمتها معظم الشيء « 2 » ، أي الذي تحمل معظم الإفك ( مِنْهُمْ ) أي الآفكين وهو حسان أو ابن أبي ( لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 11 ] أما حسان فعمى بعد ذلك وأما ابن أبي فمات منافقا ، وكان رأس النفاق . [ سورة النور ( 24 ) : آية 12 ] لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ( 12 ) ( لَوْ لا ) أي هلا ( إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ) أي الإفك وهو قذف عائشة رضي اللّه عنها بصفوان ظننتم كما ( ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ ) أي بأمهاتهم وأهل دينهم ( خَيْراً ) لأنهم كنفس واحدة ، يعني هلا ظننتم كظنهم وقلتم كقولهم ، فيه التفات ، والأصل أن يقال ظننتم بأنفسكم الخطاب ، وإنما عدل عنه ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات ويشير به إلى أن الإيمان يقتضي ذلك ، فإذا سمع مؤمن أو مؤمنة قالة في حق أخيه أو أخته يبني الأمر فيها على ظنه به الخير كما هو شأن المؤمنين ( وَقالُوا ) بملء الفم ( هذا ) أي هذا القذف ( إِفْكٌ مُبِينٌ ) [ 12 ] أي ظاهر . [ سورة النور ( 24 ) : آية 13 ] لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 13 ) ثم بين الحكم في القذف فقال ( لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ ) بلفظ الماضي والمراد المستقبل ، أي هلا يجيئون على القذف ( بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ) [ 13 ] في قولهم ، يعني اطلبوا منهم أربعة شهداء ، فإن لم يأتوا بها فأقيموا عليهم الحد على ما بيناه . [ سورة النور ( 24 ) : آية 14 ] وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 14 ) ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) أيها الكاذبون بالإمهال لأن تتوبوا ( وَرَحْمَتُهُ ) بأن يترحم عليكم ( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ ) أي خضتم ( فِيهِ ) من حديث الإفك ( عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 14 ] أي دائم في الآخرة « وَلَوْ لا » هذه هي الامتناعية ، والأولى بمعنى « هلا » . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 15 إلى 16 ] إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( 15 ) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) قوله ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ) ظرف ل « أَفَضْتُمْ » بأو لمسكم ، أي إذ يأخذ الإفك بعضكم من بعض ( بِأَلْسِنَتِكُمْ ) برواية البعض عن البعض ( وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) ومعنى « بِأَفْواهِكُمْ » مع أن القول لا يكون إلا بالفم هو أن المعلوم من الشيء يكون علمه في القلب أولا ، ثم يجري على اللسان ، وهذا الإفك ليس إلا قولا
--> ( 1 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 429 - 430 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 176 - 177 ؛ والكشاف ، 4 / 117 . ( 2 ) « كبره » : ضم الكاف يعقوب وكسرها غيره ورقق الراء ورش . البدور الزاهرة ، 222 .